نبيل أحمد صقر
144
منهج الإمام الطاهر بن عاشور في التفسير ( التحرير والتنوير )
« وهل استنباط الأحكام التشريعية من القرآن في خلال القرون الثلاثة الأولى من قرون الإسلام إلا من قبيل التفسير لآيات القرآن بما لم يسبق تفسيرها به قبل ذلك ؟ وهذا الإمام الشافعي يقول : تطلبت دليلا على حجية الإجماع فظفرت به في قوله تعالى : وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً » « 1 » . ويقول عن المحاذير التي جعلت أمام من يفسر القرآن بالرأي : « وأما الجواب عن الشبهة التي نشأت من الآثار المروية في التحذير من تفسير القرآن بالرأي فمرجعه إلى خمسة وجوه » « 2 » . وهذه الوجوه تدور حول ألا يكون المراد بالرأي هو القول عن مجرد خاطر دون الاستناد إلى نظر في أدلة العربية ومقاصد الشريعة وتصاريفها ، وألا يتدبر المفسر القرآن حق تدبره ، فيفسره بما يخطر له من بادئ الرأي دون إحاطة بجوانب الآية ومواد التفسير ، أو أن يكون له ميل إلى نزعة أو مذهب أو نحلة فيتأول القرآن وفق رأيه ويصرفه عن المراد ، أو يفسر القرآن برأي مستند إلى ما تقتضيه اللفظة ، ثم يزعم أن ذلك هو المراد دون غيره لما في ذلك من تضييق على المتأولين ، وأخيرا أن يكون القصد من التحذير أخذ الحيطة في التدبر والتأويل ونبذ التسرع إلى ذلك . ويقول عن موقف التابعين في التفسير ، وعن بعض المفسرين الذين التزموا بالآثار المروية ، وعن بعضهم الآخر الذين نحوا بتفاسيرهم إلى التفسير بغير المأثور :
--> ( 1 ) سورة النساء : الآية : 115 . وانظر التحرير والتنوير ، ج 1 ، ص 30 . ( 2 ) المصدر السابق ، الصفحة نفسها .